أحمد أمين
90
كتاب الأخلاق
لا تنظر في حكمها على الأشياء إلا إلى شخصها ، وبرقيها شيئا فشيئا يتسع نظرها فتشعر بأولادها ، ثم إذا زاد رقيها عاشت قطعانا ووجد عندها الشعور بالعمل لخير قطيع كما رأينا في الفيلة ، يصوت الفرد من القطيع صوتا خاصا إذا دهمه خطر لينبه بقية أفراد القطيع ، ثم يرقى الشعور بالغير حتى يصل إلى الإنسان المتوحش ، فتراه يشعر بقبيلته ويعمل لنفعها ويعتقد خيرا ما ينفعها وشرا ما يضرها ، ولكن نظره في الحكم لا يتعدى قبيلته فلا يعد شرا إلا ما يؤذيها ، وليس يحكم على الأعمال بنتائجها العامة . روى المؤرخون أن بعض القبائل في إفريقيا تعاقب بالموت السارق الذي يسرق من أحد أفراد قبيلته ، وتشجع على السرقة من القبائل الأخرى . والناس في هذا التطور يعتقدون أن ليس عليهم واجبات أخلاقية لغير قبيلتهم ، فليس عليهم جناح إذا أغاروا على القبيلة الأخرى أو سرقوا أو غشوا أو قتلوا منها : يعتقد الفرد في القبيلة أنها عالمه الذي يعيش فيه ، وأنها وحدها الموجود حقا الذي يستحق البقاء في هذا العالم . وقد أجمع الرحالة على أن العلاقة بين القبيلة والقبيلة عند المتوحشين علاقة عداء غالبا ، وأن أفراد القبيلة ينظرون إلى غيرهم كما ينظرون إلى الحيوانات التي حولهم ، كلاهم يحل صيده . فلما ارتقى قليلا اتسع نظرهم ، وكانت أحكامهم الأخلاقية أقرب إلى الصواب ، فكانوا ينظرون إلى الأمة المكونة من جملة قبائل كأنهم جسم واحد ، ولكنهم كانوا ينظرون إلى الأمم الأخرى نظرة العداء ؛ كأمة اليهود كانوا يعتقدون أنهم خير ناس على وجه الأرض ، أبناء الله وأحباؤه ، وأن أرضهم المقدسة « فلسطين » مركز العالم ، وأن حاضرة بلادهم أقدس مكان في الأرض وأطهر بقعة ، وكانوا يعتقدون أن لليهودي قبل اليهودي حقوقا وعليه واجبات . أما غير اليهودي فليس له حق : وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ [ آل عمران : الآية 75 ] . كذلك كان الشأن عند اليونان ، كان العالم الإنساني عندهم ينقسم إلى قسمين : يونانيين ومتوحشين ، يعتقدون في جبلهم « أوليمبوس » الذي لا يبلغ ارتفاعه إلا 9700 قدم أنه أعلى جبل على وجه الأرض ، وأنه مسكن الآلهة ، ويستبيحون الاسترقاق من غيرهم حتى إن فيلسوفهم أرسطو كان يقول : « إن الأرقاء حيوانات مستأنسة لها عقل » ، ولهذا النظر لم يكن اليونان يعدلون في غيرهم .